top of page
Search

أكتوبر 17

  • Writer: Abed El-Hakim El-Kadiry
    Abed El-Hakim El-Kadiry
  • Oct 29, 2019
  • 2 min read


ما كان مقدّرًا لهذه القصّة أن تكتمل. شأنها شأن معظم الأشياء التي نبدؤها، ونعزم على إنهائها، ثمّ لا نلبث أن نجدَنا قد تركناها تتدبّر ذاتها بذاتها. أحيانًا، لا بدّ أن نعلن الهدنة، أن نرفع العشرة وننسحب. الرّضوخ لما تمليه علينا الحياة قد يمسي ضرورة. كأن نترك حُبًّا آلمنا، أو وظيفةً تعيقُ اندفاعنا، أو صديقًا لم يعد لونه يتطابق ولوننا، أو... وطنًا جرّبنا أن نبلغ معه صيغة اتّفاق مشتركة، ومع ذلك تعنَّتَ، ولم يُرِنا رأفةً.


هذه قصّة كنت بدأتها منذ زمن، لكنّي لم أعرف طريقةً لإتمامها. كلّما كتبت فيها سطرًا كنت أتوه، فأمحوه، ثمّ أتركه أيّامًا طويلة، وحين أعود إليه عازمًا على وضع النّقطة الأخيرة، أجدني عاجزًا على مجاراته. نعم، ثمّة قصص متمرّدة، تأبى أن تُكتب، لأنّها حين تركن إلى الورق تصير عاجزة، فقد تفقد يومًا الحيل لتنهض وتجد منفذًا لنهاية أخرى.


هذه قصّة الألف قصّة.

قصّة عن ثلج الغربة.

عن الدّموع التي يتوسّدها المرء حتّى يتعب جفناه ويغفو، وفي الغفوة يرى الطّوفان آتيًا وسفينة نوح تَمْخُر بعيدًا.

هذه قصّة الضّحكات المبتورة، والقلوب المكسورة بين الهُنا والهُناك. وبينهما ثمانية آلاف وستّمائة وتسعة وستّون كيلومترًا. ولكنّ المؤلمَ أنّ العقل لا يقرأ المسافة برقمها الفعليّ، بل مضروبًا باللّهفة.

هذه قصّة الألف غُصّة.

قصّة عن نوبات الهلع التي تجتاحنا، فتبقينا حتّى طلوع الفجر في قسم الطّوارىء، لأنّنا نخشى أن نستحيلَ قتلى، والقاتل مشاعرُ تنسلخ عنّا بطيئةً كالأيّام.

هذه قصّة عن صوت أمّي. أو هي صوتها الذي أدّخره للحظة جوع، ثمّ حين ألتهمه لا أشبع.

هذه قصّة كلّ ما تركناه خلفنا وظنَنّا أنّنا على خصام معه، فأعلَنّا تمرّدنا عليه، ثمّ وفي لحظةِ تجلٍّ أدركنا النّقيض تمامًا.

هذه قصّة نكتبها بالأنفاس المتعبة، على نوافذ الطّائرات المغادرة، حاملة الهاربين من أرضٍ هاربة. ولكن... حتّى الخطوط المتوازية لا بدّ أن تلتقي في النّهاية.


هذه قصّة بدايتها دمعة، وثيمتها صرخة، وبطلتها ركلة في الخصية.

إنّها ليست قابلة للتّحرير، فالحرّية أجمل أنواع الكتابة.

هذه هي القصّة المتمرّدة الوحيدة التي ستُكتب، وستركن إلى دفاتر الزّمان رشيقةً، تنهض بالجميع كلّما أردنا منفذًا.



 
 
 

Recent Posts

See All

Comments


© 2019 by Abed El Hakim El Kadiry. Proudly created with Wix.com

bottom of page